الباب الثاني

 

 

الكـلام على حكـم رؤية المصطفى في المنام واهتمام الصحابة

وغيرهم لما يقع لهم من رؤى وذكـر بعض الفوائد الشرعية المتعلقة بذلك .

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

 

 

رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وحكمها

 

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من رآني فقد رأى الحق ) متفق عليه . وعند البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكونني ) . وعن جابر عند مسلم بلفظ : ( من رآني في النوم فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي ) . وعن ابن مسعود رفعه بلفظ : ( فإن الشيطان لا ينبغي له أن يتمثل بمثلي ) رواه أحمد والدارمي والترمذي وابن ماجة .

 

وفي الباب غير ما ذكرت هنا من ألفاظ تروى عنه عليه الصلاة والسلام تفيد كلها عدم قدرة الشيطان على أن يتراءى بمثاله الحق لأحد في المنام عصمة للدين من أن يتلاعب به الشيطان من خلال مثال نبيه بالمنام , وكما عصم عليه الصلاة والسلام من الشيطان بحياته عصم كذلك بعد قبضه وحفظ مثاله بالمنام من تلاعب الشيطان , وكل من رآه في المنام وفي ضميره أن هذا المرئي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رآه حقا ولا يقع في المنام لأحد مثاله عليه الصلاة والسلام إلا على وجه الحق , ومن كذب عليه في المنام كمن كذب عليه في حياته سواء بسواء الحكم في ذلك .

 

عن واثلة بن الأسقع قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من عظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه , أو يرى عينه ما لم ترى , أو يقول على رسول الله ما لم يقل ) رواه أحمد والبخاري . قال ابن حجر : أن يدعي أن عينيه رأتا في المنام شيئا ما رأتاه , والمنام لما كان جزء من الوحي كان المخبر عنه بما لم يقع كالمخبر عن الله بما لم يلقه إليه , أو لأن الله يرسل تلك الرؤيا فيرى النائم ما شاء , فإذا أخبر عن ذلك بالكذب يكون كاذبا على الله وعلى الملك(1) اهـ . وقـال ابن الأثير : معناه أن من أكذب الكذبات أن يقول رأيت في النوم كذا وكذا ولم يكن رأى شيئا لأنه كذب على الله اهـ .

 

وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من تحلم عذب يوم القيامة حتى يعقد شعيرتين وليس عاقدا ) رواه أحمد والبخاري والمذكور لفظ أحمد . قال الطبري : إشتد فيه الوعيد لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره , واعتبر الكذب في المنام كذبا على الله لحديث : ( الرؤيا جزء من النبوة ) وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى(2)اهـ . وقال ابن الأثير في ( النهاية ) : زادت عقوبته ووعيده هنا على كذبه في اليقظة لأن الرؤيا الصادقة جزء من النبوة , والنبوة لا تكون إلا وحيا , والكاذب في رؤياه يدعي أن الله تعالى أراه ما لم يره وأعطاه جزء من النبوة لم يعطه إياه , والكاذب على الله تعالى أعظم ممن كذب على الخلق أو على نفسه(3) اهـ .

 

قلت : وهذا في حق الرؤيا على العموم , أما نسبتها لمثال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام كذبا فهو أشنع وأفضع والوعيد بالعذاب بحق هذا الكاذب آكد لأنه جمع بين الكذب على الرؤيا عامة وعلى مثال رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وهذا جرم عظيم نعوذ بالله تعالى من مطلع مغباته يوم الحساب . وهذا في حق فاعل ذلك مرة واحدة ليستحق ذلك الوعيد , أما من فعل ذلك على مدى سنوات في كل ذلك وهو ينسبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ما ترتب عليه من أمور عظام وتكليفات صعاب تعرض بسببها عبادا لا ذنب لهم في ذلك إلا التصديق بأن المرئي في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم , تعرضوا بسبب ذلك لخطر الإهلاك والنحر بالسيف !! , وهي حال هذا المنافق الرائي الكذاب فتى منافق الخوالد , وبكل قلة حياء وصفاقة وجه يدعي بها منافق الخوالد أنه من المهتدين ودعاة التوحيد زعم !! ومع هذا لا تراه إلا مكرما مقربا ومصاحبا لهذا الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم طوال هذه السنين وهو يقول رأيت رسول الله وقال رسول الله مع تظاهره باليقين على صدق ما يرى عامله الله بما يستحق , حتى أن هذا اللعين لما قيل له : إتق الله يا فتى وانظر ماذا تزعم , فإن قولك عظيم , فانظر لنفسك في دعواك هذا الأمر , فما كان جوابه إلا أن قال : والله لو لم يذهب معي أحد منكم مهاجرا لمدينة المصطفى طاعة لأمره في المنام ؛ لأذهبن وحدي حتى أذهب للربع الخالي ثم أرفع يدي وأبسط كفي وأقول اللهم إني نفذت أمر رسولك وخذلوني وهذا جهدي وطاقتي !! . فهالني يومها هذا منه وقلت في نفسي لقد تيقن الفتى .

 

ثم دارت الأيام طوال هذه السنين فعاد وانقلب إلى أن ما كان يراه ما هو إلا شيطان وليس مثال رسول الله في المنام , وهو وإن كان كاذبا في آخر الأمر فقد استحق الوعيد المذكور لأنه في حكم من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام بالنفي والإثبات كذلك , وهو حكم لازم لحاله اليوم , كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم على الوجهين وعلى كلا الحالين ما يعظم به جرمه على سائر من يستحق ذلك الوعيد , فهو كاذب بدعواه رؤية مثال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام طوال هذه السنين إذ رجع عن ذلك وأقر على نفسه أنه لم يكن يراه فهو كاذب من هذا الوجه ولازم له حكم الوعيد ولو كان في نفس الأمر غير صادق في نفيه الرؤيا فله ما ألزم به نفسه وأقر عليها به , وهو كاذب اليوم كذلك لنفيه تحقق الرؤيا مع ثبوتها بقرائن الصدق ويلزمه على هذا الكذب استحقاق الوعيد لنفيه تحقق الرؤى مع صحة ثبوتهـا , وكذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بات كذب في النفي والإثبات والعياذ بالله من سوء العاقبة .

 

ومع عظيم جرم هذا الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجد كما قلت منافق الخوالد إلا مكرما له ومقربا له تأبط شرا ونارا بتلك الصحبة التي لم يبتغي بها هذا المنافق المارق وجه الله تعالى , بل حدثني عنه الثقة أنه يغمز الآن من بعض من عاشره ويتهمه بمصاحبة المردان وكثرة التلطف مع الصبيان . إنها صحبة مع هذا الكاذب ما عقدت إلا على الكذب على وحي الله تعالى ومثال رسوله في المنام .

 

أين الغيرة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم يا منافق الخوالد , أم أنك تعتقد نسبة مثال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام للشيطان بعد طوال هذه السنين عذرا ومانعا للحوق الوعيد , إذا لن تجده إلا على عقيدة المنافقين .

 

والمنصف إذا ما أمعن النظر بنص رؤى هذا الفتى الكاذب كما هو مذكور سابقا , لا محالة سيقطع على هذا الفتى أنه بالفعل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام حقا إذ لم يكذب في دعواه تلك الرؤى , والثابت عنه عدم الكذب بل لبس عليه منافق الخوالد آخر الأمر بما لا يقبل عقلا ولا شرعا بل هو مصادم لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن الشيطان لا يمكنه التخييل في المنام بمثاله الحق , ودعوى منافق الخوالد رد عليه لمخالفته لما ثبت عن المصطفى عليه الصلاة والسلام , ولم يبق إلا دعوى الكذب على تلك الرؤى وهي منتفية عن هذا الفتى الرائي على ما قررته سابقا , ولم يبق إلا أنها رؤى حق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما زعم لردها منافق الخوالد ورائيه الكذاب وغيرهم فنصوص الرؤى المذكورة تشهد على أنها حق وقد جاء النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باستحالة تمكن الشيطان من أن يتراءى بمثاله عليه الصلاة والسلام , وهذا على وفق النصوص النقلية في حكم رؤيته في المنام , وأما ظاهر نص الرؤى المنقولة عنه هنا فهو حق لا يرده إلا مكابر جاحد , وكيف إذا جمع لهذا ما صدقت به تلك الرؤى , فالأمر حينها لن يعدم من قيام الحجة عند الله تعالى على صحته ولن يكون رادها إلا محجوجا منقطع عن البرهان في رده هذا الأمر .

 

روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن يزيد الفارسي قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم في زمن ابن عباس فقلت له : إني رأيت رسول الله في النوم . قال ابن عباس : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي , فمن رآني فقد رآني ) , هل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت ؟ قلت : نعم ؛ رأيت رجلا بين الرجلين جسمه ولحمه اسمر إلى البياض , حسن الضحك , أكحل العينين , جميل دوائر الوجه , قد ملأت لحيته من هـذه إلى هذه , حتى كادت تملأ نحره . فقال ابن عباس : لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا (4)اهـ .

 

قلت : زاد هذا الرائي الكذاب في نعته رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما ذكر هذا الفارسي ما يقطع به أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا إذ زاد في نعته أنه رأى خاتم النبوة بين كتفيه وأنه في الرؤيا طرح الرداء عن ظهره بقصد إثبات أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم , والخاتم بين كتفيه نسبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تخفى وهذا ما لا يمكن بحال تشبه الشيطان به , زد على هذا أن الفتى يذكر عن نفسه أن مما يقع في رؤاه أنه يجد في ضميره أن هذا المرئي رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأنه مما رأى خاتم اليد وبه نقش اسمه عليه الصلاة والسلام , ومع كل هذا تجد من يجرؤ ليقول ليس هذا المرئي رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلعن الله تعالى من يقول هذا وليس للجاحد عندنا على الله ورسوله عليه الصلاة والسلام  إلا اللعنة .

 

قال إمام الأئمة رحمه الله تعالى في الحديث : هو كما قال صلى الله عليه وسلم رآه في المنام حقا , فمن قال : ما رآه في المنام حقا فقد أخطأ , ومن قال : أن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد أخطأ (5) اهـ .

 

وإذا علم هذا وصار متيقنا للمؤمن المنصف فليعلم أيضا أن معنى قوله عليه الصلاة والسلام : ( من رآني فقد رأى الحق ) أن رؤيته في المنام حق على أي وجه وقعت به تلك الرؤيا , لا يكون ما ينسب إليه إلا حق , سواء في ذلك نعشه وقبره , بيته ومسجده , عظامه وأمتعته , دينه وذِكره , وكل شيء ينسب له في المنام فهو حـق , كأن يراه في المنام طفلا رضيعا , أو شابا يافعا , أو شيخا كبيرا , وآكد ما يكون ذلك  مع تأكيد ضمير الرائي أن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا يشترط لصحة رؤيته في المنام أن يكون على صفته المأثورة , بل من رآه عليها فقد رآه على تلك الصفة وكأنما رآه باليقظة ورؤياه حينها حق وهي إكرام من الله تعالى للرائي أن يراه على صورته الحقيقية , إلا أنه يرى كذلك بغيرها ولا تكون رؤيته عندها إلا حق كذلك , وكل من اشترط لصحة الرؤيا عنه أن تكون صورته في المنام على ما عرف من صفاته آخر أيامه فقد وهم , والشرط الضابط لصحة الرؤيا عنه أن تكون من رؤى الحق التي لا يرد فيها إلا الحق لا تأتي بباطل من القول وصورا من الأضغاث , وأن يصدق الرائي فيما ينسبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام .

 

وفي رؤيا لأم الفضل رضي الله عنها قالت : رأيت كأن في بيتي عظوا من أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم  قالت : فجزعت من ذلك فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  فذكرت ذلك له فقال : ( خيرا تلد فاطمة غلاما فتكفلينه بلبن ابنك قثم ) قالت : فولدت حسنا فأعطيته فأرضعته حتى تحرك , أو فطمته (6). وفي هذا دليل على صحة الرؤيا عنه بذكر شيء منه .

 

قال القرطبي رحمه الله : من المعلوم أنه يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به وتقع تلك الرؤيا حقا , ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله : ( فإن الشيطان لا يتمثل بي ) فالأولى أن تنزه رؤياه وكذا رؤيا شيء منه أو مما ينسب إليه فهو أبلغ في الحرمة وأليق بالعصمة كما عصم من الشيطان في يقظته .

 

ورؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا , بل هي حق في نفسها ولو رُئي على غير صورته , فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قبل الله , ويؤيد ذلك قوله : ( فقد رأى الحق ) أي رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي به فإن كانت على ظاهرها وإلا سعى في تأويلها ولا يهمل أمرها لأنها إما بشرى بخير أو إنذار من شر , إما ليخيف الرائي وإما لينزجر عنه وإما لينبه على حكم يقع له في دينه ودنياه (7)اهـ .

 

وذكر النووي عن القاضي أنه قال : قال بعض العلماء : خص الله النبي صلى الله عليه وسلم بأن رؤية الناس إياه صحيحة وكلها صدق ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم فاستحال هـذا كما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة , ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل ولم يثق بما جاء به مخافة من هذا التصور فحماها الله تعالى من الشيطان ونزغه ووسوسته وإلقائه وكيده اهـ .

 

ونقل الحافظ ابن حجر كلام من سبقه من أهل العلم في معنى قوله عليه الصلاة والسلام : ( من رآني في المنام فقد رآني ) . وانتهى إلى التوفيق بين مجموع تلك الأقوال بقوله : من رآه على صفته أو أكثر مما يختص به فقد رآه ولو كانت سائر الصفات مخالفة , وعلى ذلك فتتفاوت رؤيا من رآه , فمن رآه على هيئته الكاملة فرؤياه الحـق الذي لا يحتاج إلى تعبير , وعليها يتنزل قوله : ( فقد رأى الحق ) . ومهما نقص من صفاته فيدخل في التأويل بحسب ذلك , ويصح إطلاق أن كل من رآه في أي حالة كانت من ذلك فقد رآه حقيقة (8)اهـ .

 

هذه بعض تقريرات أهل العلم نقلتها في حكم رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم  في المنام وقد انطوت كلماتهم على إجلال رؤيته في المنام واعتبار صحتها على أي وجه تحققت تعظيما لرؤيته وثقة بحفظ الله تعالى لمثاله في منامات الناس , واتفقوا على أن من رآه على صورته أو غيرها أن رؤيته لا تكون إلا حقا , فمنها ما يحتاج إلى تعبير ومنها ما يكون صريحا معبرا عن حقيقته .

 

والمعتبر لظاهر رؤى فتى الخالدي المنافق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقطع على كلام أهل العلم المذكور هنا بصحتها وأنها لا تحتاج إلى تعبير , بل ثبت بفتح الله تعالى ونصرته أنها ما تحققت إلا بعثا للمهدي ونصرة للدين , ولا يرد حجيتها إلا من هو ظالم لنفسه ساع في هلاكها تاركا لتصديق نبيه أن الشيطان لا يتمثل به ولا يمكنه أن يتكلم على لسانه في المنام , ولو أمكن الشيطان أن يخيل به لتراءى للناس في المنام بصورة الحسن بن على رضي الله عنه إذ أنه كان شبيها بالنبي عليه الصلاة والسلام ولو كان متمكنا من التخييل تلبيسا على ذات الرسول صلى الله عليه وسلم لأمكنه من التخييل بصورة الحسن على من شاء من الخلق ولعبث بالدين والناس إذ أنه منع من التخييل بصورة النبي صلى الله عليه وسلم لا الحسن ، فانتبه لهذا أخي المؤمن وأعلم أنه ما منع من هذا كذلك إلا حفظا للدين ومثال الرسول صلى الله عليه وسلم من أن يعبث به إبليس اللعين وهذا فيه أبلغ برهان على أنه منع من ذلك بكل حال .

 

أخرج الحاكم عن ابن عباس قال له رجل : رأيت النبي في المنام , قال : صفه لي . قال : فذكرت الحسن بن علي فشبهته به , قال قد رأيته (9).

 

وما رأيت أهل العلم إلا معظمين لرؤية نبي الله صلى الله عليه وسلم في المنام من عصر الصحابة إلى وقت شراح الحديث الكبار وما بعدهم من أمثال النووي وابن حجر وغيرهم من أهل العلم . بل إن حرب صاحب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله نقل إجماع العلماء على مسائل ومذاهب للسلف عد منها في الرؤيا عموم قولهم الآتي : والرؤيا من الله وهي حق إذا رأى صاحبها في منامه ما ليس أضغاثا !! فقصها على عالم وصدق فيها فأولها العالم على أصل تأويلها الصحيح ولم يحرف , فالرؤيا تأويلها حينئذ حق(10), وكانت الرؤيا من الأنبياء وحيا , فأي جاهل أجهل ممن يطعن في الرؤيا ويزعم أنهـا ليست بشيء .

 

وذكر في جملة أقوالهم ومعتقداتهم غير هذا قولهم في الخلافة : أنها في قريش ولا يقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة . ثم نقل حرب عنهم هذه الأقوال : من خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق (11)اهـ .

 

وهم في كل ما ذكرت هنا مخالفين لما عليه أكثر مشايخ السعودية قراء السوء والسفه اليوم من الذين زعموا أو يزعم لهم أنهم من أهل العلم , وإن تعجب فعجبا منهم تحقق المخالفة لمذاهب من سلف في الإمامة وحكم الرؤيا , ونحن أحق منهم وألصق بمذاهب السلف فيما ذكرت ومع هذا تجدهم وبكل صفاقة وقلة حياء من الله عز وجل وخلقه يرمونني ومن معي بالابتداع والإحداث في الدين , وهم في حقيقة الأمر المبتدعة الضلال الخارجين عن منهج السنة وسبيل الحق سواء في حكم الإمامة أو رد وتجاهل رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم  في المنام وترك الاستبشار والفرح بها كما ورد ذلك في السنة عنه صلى الله عليه وسلم حين يرى المسلم ما يسره في المنام , وكيف والرؤى المحققة عن مثاله الحق صلى الله عليه وسلم وقد صدقها الله جل ثناؤه بأعظم البراهين وأصدق الآيات ومع هذا تجد أحدهم لا يساوي بعرة علقت ببشت يحسب نفسه أحق بالله تعالى وتقواه مني , وهو أجهل الخلق وأضل البشر وأجرئُهم على مضادة أمره وتكذيب خبره قاتلهم الله ما أضل سبيلهم .

 

وكم غرهم رسلي يعاودونهم بكتبي وحججي الكتاب تلو الكتاب وهم مع كل ذلك يحسبون أنهم على منهج الأئمة زعموا بالإعراض  عن المبتدعة , وما فطنوا من عمى البصيرة وقلة الكياسة أنهم مازالوا في كل مرة يحكمون عليهم الحجة ويقطعون عليهم أمام الناس أنهم ممن استحقوا أن يكنسوا عن الدرب ويوضعوا هناك حثالة تكون بجانب المزبلة . إنهم حنابلة سوء طال الخداع بهم وقد آن الأوان لكشف زيفهم وإظهار أنهم ليسوا على شيء وبيان أن انتسابهم لما عليه السلف الصالح ما هو إلا كذب ودجل يسوغون به الباطل حتى باتوا لعنهم الله تعالى معثرة لأهل الحق .

 

وإني لأتعهد أمام الله تعالى وبتوفيقه وأمام كل مؤمن مخلص انهم لن يتجاوزوا معي ولا قدر أنملة في الحجة والبرهان محاججة في أمر الله تعالى أو يبقوا في جحورهم وقد مضى الكتاب العزيز ومضى تأويله حتى يأخذهم الحق سود الوجوه يتجللهم العار مع سائر أهل الباطل من أهل الضلالات والفتن , ولقد أتتهم والله ليلها كنهارها سواء لا يزيغ عنها إلا هالك , وكم والله أخذ بي العجب من جرأتهم على اتهامي بالابتداع ومخالفة الإجماع زعموا وهم المبتدعة في حقيقة الأمر المخالفين لإجماع الأمة كما أسلفت في حكم الإمامة , ولولا قلة الحياء من الله والجرأة عليه لما أقدموا على هذا والمخالفة محققة منهم لا مني , وما أحوجهم للدفاع عن معتقدهم الباطل في ذلك بدلا من الاستعلاء الزائف والتظاهر بالذب عن منهج السلف والانتساب إليه وهو يبرأ منهم ويعلن كذب دعواهم في السنة والكتاب .

 

وعلماء السلف كما نقلت آنفا عن حرب يبدعون ويضللون من هو على مثل ما عليه هؤلاء في الإمامة والرؤيا , وما أكذب دعواهم في اعتقاد أنهم هم الفرقة الناجية التي حالها لا يكون إلا على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  ومن معه , أنظر كيف يكون الكذب واعجب من رياء هؤلاء الكاذب الذين أسأل المولى عز وجل أن يجعل راحة الأمة منهم عاجلا ليس آجلا . ومن شدة جرأة هؤلاء على الله تعالى ودينه أنهم لم يرضوا للأمة أن تكون الولاية فيها في غير قريش كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعت الأمة بل زادوا على ذلك غيا وضلالا أن أقروا فيها بعشرات الأئمة يطوعونها لأشر خلق الله تعالى عتوا وطغيانا , يسمعون الكفر بالله ويرونه ليلا ونهارا لا يحركون في ذلك يدا ولا لسانا , وانزووا في الجزيرة يفاخرون بالسلامة ولا سلامة , فالسفارات والبنوك الربوية تحيط بهم من كل جانب , عطلوا الجهاد واستحلوا الرقاد , ثم يعودون بعد ذلك يزعمون ما زعموا وكذبوا ورب الكعبة بل هم أضل خلق الله وأشر قراء عرفهم الإسلام , دينهم دين الملوك , تقواهم للرياء وعلمهم للتكسب والارتزاق , إذا ادعوا السنة فانظر ؛ ستجدهم هدموا الكتاب , وإذا ادعوا الكتاب فهم للسنة أكثر هدما وتحريفا وانهزاما , لا تراهم في محلهم إلا للباطل أشياع وأعوان , الساكت منهم في ذلك أخبث ممن أعلن واستبان , فهو شيطان أخرس ومنه العامة عن الحق في ضياع وارتياب , عاملهم الله بما يستحقون لجنايتهم على دينه القويم .

 

قال أبو محمد بن حزم موافقة لمذاهب السلف التي ذكرها حرب : لا يجوز إمامان على الناس البتة , هذا إجماع الأمة , ولا تجوز الخلافة إلا في قريش . مع قوله : مخالف الإجماع المتيقن كافر(12) اهـ . وهذا أشد ما يواجه به هؤلاء السفلة ليفيقوا من رقدتهم ويعرفوا قدر زهوتهم أنها كاذبة .

 

وقال إمام الأئمة رحمه الله تعالى : المخالفين للحق البين من الكتاب والسنة هم عند جمهور الأمة معروفون بالبدعة مشهود عليهم بالضلالة , ليس لهم في الأمة لسان صدق ولا قبول عام(13)اهـ .

 

بل نص رحمه الله تعالى على المخالف لما أجمعت عليه الأمة أن يعامل معاملة أهل البدع . وهذا هو حكم هؤلاء الذي يجب أن يعمل به ويشاع بين أهل الحق دحرا لهم حتى يفيقوا من غيهم ويتركوا ما هم فيه من باطل يقروا به الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم , فهم مبتدعة في قولهم بالإمامة نقولها على رؤوس الناس لا نخش في الله لومة لائم , ألا تراهم عدموا لسان الصدق في الأمة والقبول العام , بل عامة أهل الحق لهم كارهون ولسيرتهم طاعنون , لا يحسنون بهم ظنا , وكم وقعوا على بعضهم معه الشيك !! والشيكين !! بعشرات الملايين يقولون هذا عطاء ولي الأمر !! أخزاهم الله باعوا الدين .

 

وهم مبتدعة كذلك لتكذيبهم لأخبار الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مع ظهور أمرها وتصديق تأويلها بالبراهين البينة , وإعراضهم عن قبول الحق في تأويل أخبار مهديه كما نص على ذلك الكتاب العزيز والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته .

 

ومن براهين عدم خشيتهم من الله تعالى أنهم لم يعملوا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بأمري هذا , إذ من سنته عليه الصلاة والسلام أن يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه , ومن حب المرء لنفسه أن تقع له رؤيا عن المصطفى عليه الصلاة والسلام فيها تبشير بخير وحث على معروف سواء كان هو الرائي أو رؤيت له(14)وحالهم معي في هذا على العكس , مع أني أعتقد لو وقعت لأحدهم كما وقعت لي لطار بها مستبشرا يصيح : هي عن رسول الله , هي عن رسول الله , ولرد على كل من يكذبها : ما بكم إلا الحسد ! , ما بكم إلا الحسد .

 

وقد كان السلف يستبشرون ويفرحون بالرؤيا بأدنى مما وقع لي من مبشرات , ويريد هؤلاء أن أترك استبشاري برؤيا سيدي وحبيبي المصطفي صلى الله عليه وسلم لسفاهة عقولهم وانحطاط مداركهم , لا والله ما أترك هذا الأمر لجهلهم ولؤمهم أبدا ما حييت .

 

روى أحمد رحمه الله عن هشام بن زياد أن رجلا من أهل الشام تجهز وهو يريد الحج فنام فأتاه آت في منامه فقال له : إئت العراق ثم إئت البصرة ثم إئت بني عدي فأت بها العلاء بن زياد فإنه رجل أفصم الثنية فبشره بالجنة . فقلت : رؤيا ليست بشيء , حتى إذا كانت الليلة الثانية رقد فأتاه آت فقال له مثل ذلك , حتى إذا كانت الليلة الثالثة جاءه بوعيد وقال له مثل ذلك . فأصبح وأخذ جهازه إلى العراق فلما خرج من البيوت إذا الذي أتاه في منامه يسير بين يديه يراه ما سار فإذا نزل فقده فلم يره حتى دخل الكوفة ثم فقده , فتجهز من الكوفة فخرج فرآه يسير بين يديه حتى قدم البصرة فأتى بني عدى فدخل دار العلاء فلقي هشام فدعى له العلاء فلما رآه وتبسم العلاء فبدت ثنيته فقال : هذا والله صاحبي فاختلى به فبشره برؤياه , فقام العلاء فأغلق بابه فبكى ثلاثة أيام أو قال سبعة لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا ولا يفتح بابه . قال هشام : فسمعته يقول في خلال بكائه , أنا , أنا . قال : فكنا نهابه أن نفتح بابه وخشيت أن يموت فأتيت الحسن فذكرت ذلك له قلت لا أراه إلا ميتا لا يأكل ولا يشرب باكيا , فجاء الحسن حتى ضرب عليه وقال : افتح يا أخي , فلما سمع كلام الحسن قام ففتح وبه من الضر شيء الله به عليم , فكلمه الحسن , ثم قال : رحمك الله ومن أهل الجنة إن شاء الله أفقاتل نفسك أنت ؟ قال هشام : فذكر لي وللحسن الرؤيا , وقال : لا تخبروا بها ما كنت حيا (15)اهـ .

 

وروي عن هشام أن العلاء انتبه ليلة فزعا من منامه فقال : أتاني آت فأخذ بمقدم رأسي فقال : قم فاذكر الله عز وجل يذكرك . قال : فوالله ما زالت تلك الشعرات قياما في مقدم وجهه ما صحب الدنيا وبعد موته , وقد غسلناه وأنهن لقيام وما سكن (16)اهـ .

 

قلت : هذه شعرات فما القول في زجاجات حسناء اللبنانية , وإذا العلاء هذا التابعي الجليل من تلك الرؤيا من مجهول !! كاد يقتل نفسه فما قول حنابلة العصر فيمن تقع له مثل رؤاي ومبشراتي عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟! . لا والله لا أغلق بابي وأبكي لأسمع أصحابي , بل سأنشرها في الآفاق ما دمتم كذبتموني ولم تبالوا ببراهين أمري العامة المؤيدة لي من الله تعالى , وسأقول لجميع المسلمين هذه أدلتي وآياتي الخاصة والعامة ومع هذا هم يكذبون بأمري قاتلهم الله ولا أدري من أين يأخذون الحق هؤلاء ويعرفون لوازم صدقه , وسأبقى على هذا الطريق حتى أفضح أمرهم وأكشف زيفهم وأعرف الخلق أنهم لا يقبلون حق الله تعالى هذا لا من طريق عام ولا من طريق خاص .

 

وروى عن أبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله أنه قدم مكة حاجا , فلما قضى وأراد الانصراف اكترى الدواب إلى العراق ليخرج صبيحة الغد , قال أبو عبيد : فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في رؤياي وهو جالس على فراشه وعلى رأسه قوم يحجبونه , والناس يدخلون إليه ويسلمون عليه ويصافحونه قال : فلما دنوت لأدخل مع الناس منعت , فقلت لهم : لم لا تخلون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم  ؟ فقالوا : إي والله لا تدخل إليه ولا تسلم عليه وأنت خارج غدا إلي العراق , فقلت لهم : إني لا أخرج إذا , فأخذوا عهدي ثم خلوا بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم  , فدخلت وسلمت وصافحت , فلما أصبح فاسخ كريه وسكن مكة حتى مات بها (17)اهـ .

 

وإن صحت هذه الحكاية عنه وهو إمام كبير من أقران الإمام أحمد وأضرابه عليهم رحمة الله جميعا , تبين ما كان عليه علماء الأمة الثقات من إجلال رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنام والثقة بها والعمل بمقتضى تلك الرؤى والاستبشار بها لا الشك والإعراض ومن ثم تركها وإهمالها , فهو عليه الصلاة والسلام بركة لهذه الأمة حيا وميتا وكم تعلقت رؤيته بالمنام بأمور الناس الخاصة والعامـة وهـذا لا ينكره إلا جاحد جاهل , مثل رؤيا الشافعي لرسـول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بالكتابة لأحمد وإخباره أنه سيمتحن بالفتنة وأمـره أن لا يجيبهم , قال الربيع بن سلمان : لما قرأ نص الرؤيا تغرغرت عيناه بالدموع(18)اهـ .

 

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  نصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم يلتقطه ويتتبعه فيها . فقلت : يا رسول الله ما هذا ؟ قال : دم الحسين وأصحابه لم أزل أتبعه منذ اليوم . قال عمار : فحفظنا ذلك اليوم فوجدناه قتل ذلك اليوم (19).

 

قال الحميدي : قال سفيان : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام , فقلت : يا رسول الله هذا الحديث الذي تحدث به أم أيوب عنك : أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ؟ قال : حق(20). وقال أبو جعفر محمد بن منصور الطوسي : سمعت أحمد يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  في المنام فقلت : يا رسول الله كل ما روى عنك أبو هريرة حق ؟ قال : نعم (21).

 

أنظر كيف حتى الاستفتاء يقع منهم له في المنام بمثل هذا , وهنا أحب أن أقرر لسفلة حنابلة العصر قراء السوء والسفه هؤلاء إن كانوا أتقى لله مني وأقرب إليه أن يدعوا الله يحقق لهم الاستفتاء في أمري لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليكشفوا زيفه !! , أم تراهم يخشون أن لا يقع لهم ذلك , فما بالهم يحرمون من رؤيته في المنام عليه الصلاة والسلام  أليسوا أحبابه وأولياءه , ووالله الذي لا إله إلا هو ثقة بأمره وتصديقا لخبره أنني أتعهد لمن يشهد له عدول أنه لا يكذب ويأتيني برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام بصفاته المأثورة يقول أمري هذا باطل أنني أرجع عنه طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم , وهذا مني لهم قل إن شئت مباهلة أو تحدي , ويكفي إن لم يقع منهم هذا دليلا على أنهم محرومون من رؤيته في المنام وقد كانت كثيرا ما تقع للأئمة من العلماء على ما ذكرت وسأذكر لا حقا , وأما إن وقع شيء من ذلك فأنا على يقين أنها لن تكون إلا شاهدا لي , فليتقوا الله تعالى ولا يكتموا !! .

 

وذكر السخاوي في ترجمة النووي عن أحمد بن خفاجا الصفدي قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بمنامي فقلت : يا رسول الله ما تقول في النووي ؟ قال : نعم الرجل النووي . فقلت : صنف كتابا وسماه الروضة فما تقول فيه ؟ قال : هي الروضة كما سماها(22). وذكر عن أبي علي سعيد بن عثمان الجبرتي أنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال : إذا اختلف عليك كلام صاحب المهذب وكلام الغزالي وكلام النووي , فخذ بقول النووي فإنه أعرف بسنتي(23).

 

أنظر أخي المؤمن كيف أن رؤيته في المنام أعظم مما يتصوره جهال حنابلة اليوم أم يقولون هؤلاء صوفية !! , صوفية خير من حنبلية دجالة لا تجل رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولا تعرف قدرها .

 

استفتوا يا حنابلة ! , استفتوا يا حنابلة ! , إن كنتم أبرارا , وما أراكم إلا فجارا حرمتم بركة رؤيته في المنام .

 

وذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب عن سعيد بن منصور قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت : يا رسول الله ألزم أبا يوسف أو هشيما ؟ قال : هشيما . وذكر الحافظ الصوري في فوائده عن خلف بن عمر قال : كنت عند مالك فأتاه ابن أبي كثير قارئ المدينة فناوله رقعة فنظر فيها مالك , ثم جعلها تحت مصلاه فلما قام من عنده ذهبت أقوم فقال : اثبت يا خلف , فناولني الرقعة فإذا بها : رأيت الليلة في منامي كأنه يقال لي : هذا رسول الله في المسجد , فأتيت المسجد , فإذا ناحية المسجد من القبر قد انفرجت وإذا برسول الله جالس , والناس يقولون : يا رسول الله اعطنا يا رسول الله من مالنا ؟ قال فقال لهم : إني كنزت تحت المنبر كنزا وقد أمرت مالكا أن يقسمه فيكم , فاذهبوا إلى مالك , فانصرف الناس , بعضهم يقول لبعض : ما ترون مالكا فاعلا ؟ فقال بعضهم : ينفذ لما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم  فرق مالك وبكى(24). وقال محمد بن رمح : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام , فقلت : يا رسول الله إن مالكا والليث يختلفان , فبأيهما آخذ ؟ قال : مالك , مالك(25).

 

وقال ابن بطال : حدثني أبو بكر الرازي قال : كنت بأصبهان عند أبي نعيم أكتب الحديث وهناك شيخ يقال له أبو بكر بن علي عليه مدار الفتيا , فسعى به عند السلطان فسجن , فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر , فقال لي : النبي صلى الله عليه وسلم : قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج عنه . قال : فأصبحت فأخبرته , فدعا به فلم يكن إلا حتى أخرج (26).

 

وذكر النبهاني في مقدمة الفتح الكبير للسيوطي : رأيت على ظهر الجامع الكبير ما نصه : رؤيا بخط الشيخ مؤلف هذا الكتاب رحمه الله بعد وفاته ما نصه : رأيت في المنام ليلة الخميس ثامن شهر ربيع الأول (904) من الهجرة كأني بين يدي النبي فذكرت له كتابا شرعت في تأليفه في الحديث فكانت هذه البشارة عندي من الدنيا بحذافيرها (27).

 

وقال السيوطي أيضا في الإتقان : شرعت في جمع كتابا مسندا في التفسير سميته ترجمان القرآن , ورأيت وأنا في أثناء تصنيفه النبي في المنام في قصة طويلة تحتوي على بشارة حسنة (28).

 

وذكر ابن كثير في التاريخ عن الحسن بن شاذان البزاز أحد مشايخ الحديث وكان ثقة صدوق , جاءه يوما شابا غريب فقال له : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  في المنام , فقال : اذهب إلى أبي علي بن شاذان فسلم عليه وأقرأه مني السلام . ثم أنصرف الشاب , فبكى الشيخ وقال : ما أعلم لي عملا استحق به هذا غير صبري على سماع الحديث , وصلاتي على رسول الله كلما ذكر . ثم توفي بعد شهرين أو ثلاثة من هذه الرؤيا (29) اهـ .

 

هذه جملة منامات وقعت لبعض الأعلام ذكرتها هنا من أجل أن يعرف منهج هؤلاء بتلقي الرؤى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  والاستبشار بها على خلاف ما عليه قراء السوء سفهاء العصر اليوم من سوء الظن بمنامات غيرهم وتركهم الاستبشار حتى برؤية المصطفى عليه الصلاة والسلام  بالمنام , مع ما عدموا من ذلك وصدق من قال : فاقد الشيء لا يعطيه . ولا يعقل كذلك تعلق رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنام بمثل ما ذكرت هنا ثم يصح إدعاء عدم صحة تعلقها بالمهدي وهو من الأمور الجليلة في الدين , ومدعي ذلك لا شك يعد متقولا على الله تعالى ونافيا ما ليس له به علم مع ثبوت بطلان دعواه تلك بثبوت تحقق بعث المهدي برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنام , والله يقضي بأمره سبحانه وله مرد الأمر , لا للقراء السفلة , ولا للحنابلة الجهلة . 

 

 

( 1 ) الفتح (6/542) الطبعة السلفية .

( 2 ) الفتح (12/535) دار السلام .

( 3 ) كتاب الرؤيا للتويجري رحمه الله (32) .

( 4 ) راجع التاريخ لإبن كثير (6/20) .

( 5 ) مجموعة الفتاوى (12/278) .

( 6 ) رواه أحمد وابن ماجة .

( 7 ) الفتح (12/480) .

( 8 ) الفتح (12/484) , وشرح النووي (15/31) .

( 9 ) الفتح (12/479) قال الحافظ : سنده جيد .

( 10 ) عرضت بعض هذه الرؤى التي نصت على بعث المهدي على يوسف المطلق المعبر السعودي وقال فيها ما ذكرته في الفصل الأول فراجعه هناك . وكذلك عرضت الرؤيا الأولى على عبد العزيز بن باز بلسان شقيقي فقال : هذه رؤيا مبشرة , ثم لما عرف اعتقاد الحق بولاته قال : هذا مذهب الخوارج . وهذه منه عجيبة إذ جعل اعتقاده في ولاته من علامات تمييز الرؤى عن المصطفى عليه الصلاة والسلام .

( 11 ) الصراط المستقيم لإبن تيمية (148), وحادي الأرواح (292) , وكتاب وجوب الاعتزال (1/22).

( 12 ) الدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم (374 , 441) .

( 13 ) الإيمان لإبن تيمية (307) .

( 14 ) وقد ثبت عنه تعظيم رؤياه عند المؤمنين بعده كما رواه مسلم والحاكم عن أبي هريرة رفعه : ( من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله ) .

( 15 ) رواه أحمد في الزهد (309) ، وأبو نعيم في الحلية (2/245) .

( 16 ) رواه أحمد في الزهد (311) .

( 17 ) راجع مقدمة غريب الحديث لأبي عبيد .

( 18 ) رواها ابن الجوزي في ( مناقب الإمام أحمد ) راجع التفسير للقرطبي (9/127) .

( 19 ) رواه أحمد قال القرطبي في التذكرة سنده صحيح (647) .

( 20 ) التمهيد لابن عبد البر (6/418) .

( 21 ) راجع كتاب الرؤيا للتويجري رحمه الله تعالى (85) فقد استوعب في كتابه القيم في بابه مجموعة منامات من هذا الضرب .

( 22 ) المنهل العذب (89) .

( 23 ) المنهل العذب (115) .

( 24 ) الفوائد في الأسانيد للصوري (113) ، ورواه أبو نعيم (6/316) ، وذكره في السير (7/56) .

( 25 ) سير أعلام النبلاء (8/78) .

( 26 ) ذكرها في الفتح (11/147) .

( 27 ) الفتح الكبير – صحيح الجامع – (1/43) .

( 28 ) الإتقان (2/404) .

( 29 ) تاريخ ابن كثير (12/41) .