الفصـل الثالـث
لكل رسول ونبي إلقاء من الشيطان
والمهدي على سنـتهم على ظاهر القرآن .
هل يحتال الشيطان لمكره ويمهد له ، أم يعرقله وينفر منه ؟! . وفي جواب هذا السؤال رد على كذب منافق الخوالد وفتاه الرائي ، وقد علما قبحهم الله تعالى هم وكل من رجع عن المهدي في ابتداء تحقق التأويل ، أن أمره كان على أحسن حال قبل تحقق الرؤى عن المصطفى عليه الصلاة والسلام ، من الدعوة لدين الله تعالى والمنازعة والمفاصلة على تحقيق التوحيد ونبذ الشرك والتنفير منه ، هذا ما كان عليه في دعوته علمه كل من عرف حاله عن قرب ، ومنهم هذا المنافق وفتاه الرائي ، ولا يمكن بحال إنكار هذا منهما ومن غيرهما ممن عرف حاله قبل تحقق التأويل .
ومما عرف هؤلاء أنه بمجرد تحقق التأويل وذلك بتحقق أول رؤيا للفتى الرائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها تزكية دعوة المهدي والحث على التمسك بها والنهي عن خذلانه ، وما إن تحقق هذا حتى بدت علامات وأعراض ما يسمى بفقه عامة المطاوعة ( المس الشيطاني !! ) يظهر على أحد رفقاء هذا المنافق والرائي الكذاب واسمه ( مروح بن طلاع ) وهو اسم على مسمى . ومن خلال هذا المروح !! كان أول حضور وتجلي للشيطان بعد تحقق الرؤى عن المصطفى عليه الصلاة والسلام ، ثم صار هذا المروح فيما بعد المدخل الذي ولج منه كيد الشيطان لهذا الأمر ، لا بل على يد المروح هذا في ظاهر الأمر ويد الشيطان في باطن الأمر وجد المهدي نفسه وإذا به متورطا بإزهاق روح إنسان لا يعرفه من قبل ، إنما يعرف أخاه الذي أخذ يتوسل وبإلحاح مريب إلا أن تقرأ القرآن على أخي هذا المسحور كما قرأت على المروح !! ، ولم يجدِ تحت إلحاح هذا كون المهدي لا يتعاطى هذا الأمر ، بل لا يؤمن به وسيلة على نهج مطاوعة اليوم ، فليس من مهمات عباد الله إحضار الجن ومحاورتهم ومطاردتهم كلما عبثوا بفاسق أو تمكنوا من غافل عن دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . وجد المهدي نفسه متورطا بهذا الأمر العظيم الذي يهز الكيان هزا ، فالهر يتسبب بموته الرجل يتألم لذلك دهرا فكيف بإزهاق الروح الإنسانية ، إن الأمر لعظيم على من لم يعهده .
وقد علم هذا المنافق الخالدي وفتاه الكذاب ، أن من إقرارات المروح على نفسه حين أخذ يضرب على جسد الرجل الممسوس أنه كان يقول : في نفسي من يقول لي : إضرب ، فأضرب ، إضرب ، فأضرب . وهكذا أخذ هذا المروح يضرب ويضرب على غفلة ممن حوله حتى قضى على هذا الرجل المسحور على حسب دعوى أهله أن به السحر ، والمهدي لم يرد به إلا الحسنى استجابة لإلحاح أخيه ، وإذا بالأمر وعلى يد هذا المروح وبلمح البصر ينتهي بالمهدي مطلوبا في قضية قتل !! ، وقد طبقت الخطة على أكمل وجه ، بدأت بالمروح وانتهت بالمروح !! ، وكان هذا المروح على غفلة من المهدي شيطانا خبيثا في باطن الأمر ، إنسانا وديعا في ظاهر الأمر ، ثنائية قاتلة عليها من الله اللعنة .
والآن يقال لمنافق الخوالد : كيف يصح أن يكون بعث المهدي من كيد الشيطان وقد علمت ومن معك أنه بمجرد تحقق بعثه اعترضت الشياطين المهدي ودعوته من بعد ما كان من أبعد الناس هو وتلاميذه عن ذكر الشيطان والشياطين ، لماذا برأيك هذا الحضور المكثف الذي انتهى بتوريط المهدي نفسه بإزهاق روح إنسان ، لا شك أنه عند العقلاء هذا برهانا قاطعا على أن هذا من الشيطان اعتراض ومقاطعة ، ولو كان أمر الرؤى التي بعث بها المهدي منه ليسر أمرها ولم يعسره !! ولمهد لأمرها ولم يعرقله !! ، هذا لا ينكره إلا جاحد كحال الخالدي وفتاه الكذاب .
هذه كلمة موجزة لا يمكن التوسع بتفصيلها وإلا لطال الكلام الذي يخرجنا عن ما هو أهم ، وإنما أردت التنبيه بها على ما بلغه هؤلاء من سفاهة وجحد للحقائق الجلية ، وتعريف الآخرين أن الشيطان اعترض الدعوة من بدايتها ما يدل على أنها ليست من تدبيره ، بل ظاهر مجريات الأحداث في ابتداء تحقق الرؤى إنما يدل على أن هناك أمـر تحقق هاله وأربكه حتى كان حضوره مكثفا جـدا !! ، ولم أكن أعي في ابتداء الأمر هذه الحقيقة لأني أنا نفسي لم أكن من تسارع الأمور مدركا ما يجري لي من هوله وشدة ضغطه ، ما إن وقعت الرؤى إلا وتسارعت الأمور كالبرق تشل التركيز وتشتت الإرادة .
والاستنتاج الوحيد الأقوى ثبوتا عندي الآن من أحداث تلك الفترة هو أن الشيطان أدرك وعلى يقين أن المرئي في المنام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا وبذلك تيقن أن في هذا بعث المهدي لا محالة ، فهاله الأمر فجلب خيله ورجله على هذا الغافل الذي لا يدرك ما يراد به , فانظر أخي المؤمن كيف انقلب ما يرونه دليلا على بطلان هـذا الأمر إلى أن يكون من أعظم البراهين على أنه حق من الله تعالى !!.
هذا التقرير النظري ، وأما التفصيل الشرعي والتأصيل العلمي لما جرى فهو على الوجه التالي :
وهو أن أهم ما حصل بعد ابتداء تحقق التأويل أمران مردهما لعمل الشيطان وكيده ، إلقاء على هذه الدعوة بغية التلبيس عليها وصد الناس عنها:
الأول : التوريط بإزهاق روح إنسان .
الثاني : خداع المهدي بالتخييل الكاذب من خلال السحر ، وإلقاء بعض الكلمات على لسانه ، وكـان يريد بالسحر إذهاب عقله ، ولو نجح بهذا لأعاق الأمر وأبطله ، وكان مجدا بهذا غاية الجد وأتى على المهدي بسحر عظيم لا يعد معه فعل سحرة فرعون مع موسى شيئا يذكر ، ومن عاين ليس كمن سمع !! ، إلا أن الله لطف برحمته وأبطل سحره وألاعيبه ، وعاد بذلك على المهدي بعلم عظيم جليل بطرق الشيطان وألاعيبه .
ومن عجيب تأييد الله سبحانه ونفعه للمهدي بالعلم ، أن عرف بأن الشيطان آخر ما يجرب للصد عن أمر الله إن كان أمرا عظيما يترتب عليه ما يحتم على الشيطان صده ما أمكنه الصد ، هو تجريبه للتخييل الكاذب وهو آخر ما يستخدمه ، وفي تيقن هذه الحكمة والفائدة الجليلة مما جرى على المهدي ، ما عاد عليه بالضد من مقصد الشيطان أن تيقن بهذا أن أمره حق من الله وإلا ما عارضه إبليس هذه المعارضة وحاربه كل هذه الحرب .
صحيح أن أكثر من عاصر تلك الأحداث فهم الأمر على النقيض من هذه الحقيقة ، إذ استقر عندهم بسبب إلقاء الشيطان أن المهدي جُن !! ، فصار هذا سببا لصدهم عن الحق المبين في بعثه وهو المعتقد الذي عاد وانتهى إليه منافق الخوالد وفتاه الرائي الكذاب ، وما فطنوا من شدة السذاجة والجهل أن هذا بعينه من أقوى البراهين الدالة على أن الشيطان لا يحب هذا الأمر بل يحاربه ، ما يدل على أنه ليس من تدبيره وكل ما تحصل له القول : أن المهدي مجنون !! ، وهذا عين ما حصل لكل رسل الله من قبله ، فسبحان الذي يظهر الحق بكيد الشيطان ويبطل مكره بمكره ولا يجعل له سلامة في هذا سواء عارض أم جلس يرقب فقط , أرأيتم كيف أن الله عظيم . قال تعالى :﴿ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ﴾(1) وقال سبحانه :﴿ أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون ﴾(2)فهذه سنة حققها إبليس للمهدي بكيده هذا الذي ارتد عليه ، فليمت إبليس بغيظه فقريبا تقطع ألاعيبه وتنكشف أوراقه .
قال عيسى عليه السلام : الشرير ـ يريد إبليس ـ يجرب بأربع طرق :
الأولى : عندما يجرب هو نفسه بالأفكار .
الثانية : عندما يجرب بالكلام والأعمال بواسطة خدمه .
الثالثة : عندما يجرب بالتعليم الكاذب .
الرابعة : عندما يجرب بالتخييل الكاذب (3).
وهكذا يتضح بهذا أن تجربته مع المهدي بالتخييل آخر ألاعيبه بعدما جرب كل طرقه السابقة ، وهذا يفيد أنه خشي الفوت وجواز أمر المهدي عليه مما اضطره إلى تجريب آخر أسلحته ، وفي فقه هذا الأمر فائدة جليلة للمهدي نفسه وفيها حجة قاطعة عنده على خصومه جميعهم ومنهم منافق الخوالد وفتاه الكذاب ، وهي أن تحقق الرؤى التي بعث بها المهدي ليست من تدبير الشيطان وإلا ما وجه تحقق معارضته لهذا الأمر وبمجرد أن تحققت الرؤى عن المصطفى عليه الصلاة والسلام ، حتى أنه سراعا ما أخذ يجرب بالتخييل الكاذب والسحر العظيم توصلا لإذهاب عقل المهدي نفسه إبطالا لهذا الأمر، أو أن يقول الناس جن الرجل فينصرفون عن أمره ودعوته !! . قال تعالى :﴿ فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ﴾(4)وقال في خبر موسى وسحرة فرعون :﴿ قال بل ألقوا . فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه مـن سحرهم أنها تسعى . فأوجس في نفسه خيفة موسى . قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ﴾(5)فإن كان موسى وجد خيفة من سحر سحرة فرعون فما القول بسحر إبليس بنفسه .
وقد علم الله بعلاه أني ما خشيت إلا من واحدة كادت تطير العقل وتقطع نياط القلب ، إلا أن الله أنزل سكينته ولطف برحمته ونصره ، وذلك حين أخذ يريني كل من حولي وكأن وباء أو بلاء ألم بهم ينتقل بينهم بالعدوى بمجرد النظر ، فإذا نظرت لأحدهم وكأنه جسد ميت للتو خرج من القبر ، فصار الناس من حولي وجوههم زرقاء لا دم فيها ومع هذا يتحركون ويتكلمون ، وحين غفلة مني وعلى شدة من الإرهاق والتعب النفسي والجسدي درجت علي هذه التخييلة الكاذبة وكادت تبلغ معي مبلغا بعيدا ، إلا أن الله لطف برحمته وفضله وجمع لي شتات القلب فتلوت آية الكرسي وإذا بهم عند آخر حرف من الآية يعودون كما كانوا بشرا أحياء !! .
وعندها فقط أخذت أدرك أن ما يجري من حولي خداع ومكر لا حقيقة له وتيقنت عندها أن من يحاربني ليس من عالم المشاهدة ولا يمكن أن تراه العين ، ولما أدركت هذه الحقيقة انطلقت أخوض المعركة على هذا الأساس ، فتركت جسدي لمن حولي وانصرفت بفؤادي هناك عند عالم الأرواح فما زلت والأبواب تفتح بابا بعد باب ، وما وجدت إبليس إلا ذليلا هناك لا حيلة له وقد عرفت عنه أكثر مما عرف عني ، وقد كنت سألته أول الأمر وهو يخاطبني على لسان المروح حين تجلى لأول مـرة لنا داسا أنفه في أمرنا ، قلت له : من أين أتيتنا ؟ ، فقال : أتيتك من بابل !!(6) وكنت يومها أعجب في نفسي كيف أني سألته بصيغة الجمع ويجيبني بصيغة المفرد ، وقلت : ما دخل بابل في الأمر ؟ ولما دارت السنين وجدت عند دانيال هناك خبر بابل !! ، فقلت بنفسي : لعنك الله تعالى يا إبليس ما أطول صبرك وانتظارك !! .
المهم أن التفصيل يطول في هذا الأمر وقد لا تكون في كثرة الكلام فيه فائدة الآن إلا من هذه الأوجه الثلاثة وهي :
الوجه الأول : أن معارضة الشيطان وإلقائه السحر على المهدي بعد بعثه إعاقة لأمره وتلبيسا عليه دال على أن الرؤى ليست منه وإلا ليسر أمرها ولم يعرقله وفي هذا بالنظر حجة على الخالدي وغيره ممن كذب هذا الأمر ، إذ نسبوه للشيطان وليس للرحمن وواقع الحال يكذبهم ويبطل زعمهم هذا ، لأن الشيطان يمكر لأمره لا عليه وما فعله مع المهدي دال على أنه ضده لا معه .
الوجه الثاني : أن ما جرى من سحر ألقي على المهدي وتحايل شيطاني ليقال عنه مجنون هو عين ما جرى للرسل من قبله ، وهو على سنتهم وطريقتهم في هذا كما جرى لموسى عليه السلام ، وحتى الفتى الذي أزهقت روحه على يد الشيطان المروح !! ، شابه تورط المهدي بأمره تورط موسى بموت الرجل الذي ضربه فأرداه قتيلا ، وبهذا شابه حال المهدي حال موسى عليه السلام بهذه القضية وغيرها ، قال تعالى :﴿ فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ﴾(7)وهذا من موسى بالعراك وأضافه إلى الشيطان فكيف بالمهدي وقد مكر الشيطان لتوريطه بمثل هذا مكرا عظيما ، حتى أن الضارب للفتى الذي مات ضربا قاتلا هو غير المهدي بل من أصحابه وحسب عليه هذا الفعل جبرا ، وكان هذا الضارب أول ما تحققت الرؤى أخذ يتظاهر بأن مسا قديما أخذ يعاوده واسم هذا الرجل المروح وهو اسم على مسمى ، إذ انتهى الأمر فيما بعد بالمروح هذا يضرب الفتى المسحور على زعم أهله حتى أزهق روحه ، ولما قيل للمروح لماذا فعلت هذا ؟ قال : قيل لي اضرب فضربت ، اضرب فضربت . فقيل له : يا رجل كيف هذا لماذا لم تمتنع ؟! . قال : ما كان بوسعي إلا التنفيذ !! . فعرفت عندها أني مكر بي من عالم غير مرئي ، وقلت في نفسي والله ما دعاهم لفعل هذا إلا أمرا عظيما همهم شأنه ففعلوا معي ما فعلوا ، ثم بان لي فيما بعد أن الداعي لكل هذا تحقق بعث المهدي الذي أفزعهم تحقق بعثه .
وكما مر هنا تعرض موسى لسحر التخييل حتى فزع منه ، كذلك وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا منه حتى كان يخيل له أنه أتى بعض زوجاته وهو لم يفعل ولا يعيب مثل هذا رسل الله والمهدي كذلك لا يعيبه تعرضه لسحر الشيطان وتخييله كما لا يعاب موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم لتعرضهم للتخييل فهو على سنتهم في ذلك سواء بسواء .
روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن عائشة رضي الله عنها قالت : سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم ، حتى كان يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله .
الوجه الثالث : مبالغة الشيطان في التصدي لهذا الأمر حتى زاد على ما سبق ، إلقاء بعض الكلمات النابية التي لا يعقل بأي حال أن يتفوه بها الرجل الصالح خصوصا من بدت عليه سيماء الصالحين من أتباع السنة والخلق القويم ، وما كان قصده من هذا إلا التنفير والتلبيس على من هو أقرب للمهدي وغيرهم ، حتى أن الجميع ما كانوا ليرتابوا بعدها بأن المهدي فقد عقله ، وما كان المهدي يشعر بإلقاء الشيطان لهذه الكلمات على لسانه لو لم يخبره من يعز عليه ، وهذا من الشيطان ولا شك دليلا صريحا على أن الرؤى ليست منه ، وأن المهدي ليس من حزبه وأوليائه ولذا جاء بمكره يلعب تمثيليته الممجوجة من كثرة ما يفعلها مع خلق الله إلا أنه هنا تورط تورطا عظيما إذ أحصيت عليه التفصيلات !! وجمعت له التخريجات !! ولم تؤكل هذه المرة ضحيته ( أونطة !! ) كما يقوله أهل مصر .
ومن عدّ إلقاء الشيطان على لسانه بعض الكلمات دليلا على الجنون كما قاله بعضهم فهو من أجهل الناس وأضلهم وأكثره بعدا عن معرفة ألاعيب الشيطان وحدود تمكنه من الجسد الذي سرى بعروقه وألم بقلبه ، وتجد هؤلاء من شدة بلادتهم إذا التقوا المهدي وجدوه من أعقل الناس وأكثرهم قوة بصيرة فيرون هذا معارضا لما تأصل عندهم أنه مجنون !! ، ثم ينقلبون إلى أصلهم فيه وهم يرددون عن حاله : عجبا عجبا !! فهل رأيتم مثل هؤلاء غباء وبلادة !! .
وحتى هذا الذي وقع للمهدي في ابتداء بعثه هو نظير ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء بعثه كذلك ، إذ نطق الشيطان على لسانه بعض الكلمات تلبيسا على دعوته ، بل إن الله تعالى نص بكتابه أن هذا من إلقاء الشيطان وبين أنه مما يقع لكل رسول ونبي ، والمهدي على سنتهم في هذا أيضا سواء قيل أنه محدَّث أو رسول ، وهذا ما دعى إبليس اللعين للإلقاء على دعوته ، وفي هذا أيضا أبلغ برهان على أن الشيطان علم هذه الحقيقة بتيقنه أن هذه الرؤى ليست منه ما دعاه لفعل ما جرى منه .
قال تعالى :﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم . ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد . وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلـوبهم وان الله لهـاد الذين آمنـوا إلى صراط مستقيم ﴾(8)قراءة ابن عباس ذكرها البخاري تعليقا بصيغة الجزم ، ورواها سفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف ، قال الحافظ : إسناده صحيح(9) . وذكر البيهقي رحمه الله تعالى أن أبي بن كعب قرأها كذلك على هذا النحو(10).
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره : ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح ، وذكر منها عن سعيد بن جبير قوله : قرأ رسول الله بمكة النجم ، فلما بلغ هذا الموضع :﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ قال : فألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن ترتجى ، قالوا : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد فسجدوا ، فأنزل الله عز وجل : ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي .. ﴾ الآية(11).
وأما اختيار شيخه إمام الأئمة رحمه الله تعالى على خلاف ما ذهب إليه ابن كثير هنا إذ عد إلقاء الشيطان إنما وقع على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن القرآن دال على هذا فقال : المأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك ، والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله : تلك الغرانيق العلى . وان شفاعتهن ترتجى . وقال رحمه الله : الذين قرروا ما نقل عن السلف ، قالوا هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه والقرآن يدل عليه(12).
( 1 ) سورة الذاريات (52) .
( 2 ) سورة الدخان (13–14) .
( 3 ) إنجيل عيسى الصحيح (132) .
( 4 ) سورة الأعراف (146) .
( 5 ) سورة طه (66– 68) .
( 6 ) هذا كان منه في ابتداء التأويل وما كنت يومها أدرك ما يعنيه من كلمته هذه ثم عرفت فيما بعد أن له معنى كبير وخطير !! ، وكان هذا منه إشارة خبيثة لنبوءة دانيال التي تحققت كما جاء في الرؤيا الأولى المنقول نصها في الفصل الأول هنا ، ورؤيا دانيال وقعت له وهو في الأسر في بابل العراق ، ومن شاء مراجعة نصها وتعليقي عليه فسيجده في كتاب : ( وجوب الاعتزال 2/20) .
( 7 ) سورة القصص (15) .
( 8 ) سورة الحج (52 – 54) .
( 9 ) الفتح : كتاب الفضائل باب مناقب عمر من صحيح البخاري .
( 10 ) الاعتقاد للبيهقي (315) .
( 11 ) التفسير (3/253) .
( 12 ) مجموعة الفتاوى (5/336) وقد تطرق لهذه الآية وتفسيرها في أكثر من موضع في المنهاج والجواب الصحيح .